يحيي بن حمزة العلوي اليمني
77
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فيه من حيث كان مبهما ، فكان للأفئدة تطلّع إلى فهمه وللقلوب تعلّق به ولها غرام بإيضاحه ، وقول النحاة « نعم وبئس » موضوعان لإفادة المدح العام والذم العام يشيرون به إلى ما قلناه من دلالته على الحقيقة الذهنية . المسألة الثالثة في [ الضمير المتوسط بين المبتدأ والخبر ] وعواملهما ، وهذا كقولك كان زيد هو القائم ، وزيد هو القائم ، وظننت زيدا هو القائم قال الله تعالى : وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) [ القصص : 58 ] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ [ الكهف : 39 ] وقوله تعالى : وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 ) [ الزخرف : 76 ] والكسائي وغيره من نحاة الكوفة يسمونه العماد ، لمطابقته لما قبله ، وسيبويه وغيره من نحاة البصرة يسمونه الفصل ؛ لأنه ورد فاصلا بين كونه وصفا وغير وصف ، فأما الدلالة على أسميته وموضعه من الإعراب فذكره إنما يليق بالمباحث الإعرابية ، والذي نتعرض لذكره هاهنا ما يختص بالبلاغة والفصاحة ، وقد ورد في كتاب الله تعالى وفي غيره كما تلونا من هذه الآيات ، فوروده إنما كان من أجل التأكيد المعنوي ، وفيه دلالة على الاختصاص فقوله تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) [ البقرة : 254 ] وقوله تعالى : وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 ) [ الزخرف : 76 ] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ [ الكهف : 39 ] إلى غير ذلك من الضمائر التي وردت على هذه الصفة فإنها مفيدة للتأكيد كما ترى ، لأن الكلام مع ذكرها أبلغ ، فأنت لو قلت والكافرون الظالمون ، ولكن كانوا الظالمين ، وأسقطت هذه الضمائر ، فإنك تجد فرقا بين الحالتين في التأكيد وعدمه ، وكما هي مفيدة للتأكيد كما ترى ففيها دلالة على الاختصاص ؛ لأنه إذا قال والكافرون هم الظالمون ، فإنما جاء بالضمير ليدل على أنهم لكفرهم اختصوا بمزيد الظلم الفاحش ، وقوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 4 ] فيه دلالة على مزيد اختصاصهم بالإيمان واستحقاقهم لصفته من بين سائر الخلق فيؤخذ الاختصاص والتأكيد من هذا الضمير كما أشرنا إليه . المسألة الرابعة في [ توكيد الضمائر ] اعلم أن دخول التأكيد في الكلام ليس أمرا حتما ، ولا يكون على جهة الوجوب ، وإنما يكون وروده على وجهين ، أحدهما : أن يكون المعنى